جمهورية الاتحاد العربي
كتبهاأبو إياد ، في 20 أغسطس 2006 الساعة: 20:35 م
جمهورية الاتحاد العربي
مقدمة
لقد ضجرنا و سئمنا و مللنا إلى حد الغثيان و الاشمئزاز و القرف من هذا الواقع العربي المتردي , و كأننا في بحر لا شاطئ له أو فضاء لا مستقر فيه أو نفق لا ضوء في نهايته .
ننتظر و ننتظر أن يأتي حل ما , تغيير ما , شيء ما , أي شيء يخرجنا من هذا التشتت من هذا الذل , من هذا الانكسار و لكن دون جدوى , و يزداد الأمر سوءا , ثم يزداد سوءا , ثم يأتي الأسوأ , و هكذا تسير الأمور دون توقف , منذ عشرات السنيين و الواقع الرسمي العربي يقودنا نحو الهاوية يقودنا إلى الهزائم إلى التشتت و التشرذم غير عابئ بالمآسي التي يسببها إلى الأمة قاطبة , إنه التيه الذي وجدنا فيه و الذي يجب أن نخرج منه بطريقة ما , و يجب علينا أن نجد حلا , و الحل بأيدينا و بأيدينا فقط .
إذا كنا أمة واحدة و نمتلك نفس اللغة و التاريخ و الثقافة و الدين والجغرافيا و الآمال و الآلام و القوى البشرية الكبيرة و القوة الاقتصادية الهائلة .
لماذا نحن في هذا الوضع المتردي ؟
لماذا نحن في هذا التشتت و الفرقة ؟
لماذا نحن في هذا الذل و الهوان ؟
لماذا نحن في هذا الضعف و العجز ؟
لماذا نحن أصحاب الدم المهدور ؟
لماذا نحن في هذا الفقر و العوز ؟
لماذا نحن في هذا الجهل و التخلف ؟
أسئلة و أسئلة و أسئلة , تطول و تطول .
ألم يحن الوقت أن نجد لها أجوبة شافية , ألم يحن الوقت للخروج من هذا النفق المظلم , ألم يحن زمن التغيير و الإصلاح و الحرية .
هذا هو الواقع الذي نعيش , و نحن جميعا بأمس الحاجة لبديل لهذا الواقع الأسود و لهذه الحالة المتردية , ومن هذا المنطلق سأحاول أن أضع رؤية لمشروع متكامل للخروج من هذا المأزق لمن يؤلمه هذا الواقع , لمن يبحث جاهدا عن ضوء في نهاية النفق , لمن يعتقد أنه قادر أن يفعل شيء في هذا الزمن الصعب .
يعتمد هذا المشروع على دراسات مطولة استغرقت الكثير من السنوات و الكثير من الجهد و الدراسة للوصول للتغيير و الإصلاح و الحرية , و لكن أي تغيير , التغيير الذي ينتج عنه إصلاح .
إصلاح ماذا ؟
إصلاح كل شيء , إصلاح ديني , إصلاح فكري , إصلاح سياسي , إصلاح اجتماعي , إصلاح اقتصادي , فكل شيء يبدو غير سوي و غير طبيعي , أو هو فعلا غير سوي و غير طبيعي , ولو كانت هناك بعض الأمور تجري بشكل شبه طبيعي لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه الآن .
انظروا إلى الوضع العربي من المحيط إلى الخليج بشكل عام أو بشكل مجزأ فهو سيئ جدا و سيزداد الأمور سوء باستمرار .
و أنا أتطلع من خلال طرح هذا المشروع عبر هذه المدونة إلى البدء بعملية التغيير الشامل عبر الوسائل القانونية و الشرعية التي تضمن للشعوب حق تقرير المصير , طبعا غاية المشروع هو إقامة جمهورية الاتحاد العربي على كامل تراب الوطن من المحيط إلى الخليج , جمهورية تضمن الحرية و الأمن و العزة للشعب العربي , و حتى نصل إلى هذا الغاية يلزمنا أمرين الطريق و الإرادة اللازمة للوصول إلى الهدف المنشود و سيأتي كل شيء عبر فصول المدونة .
قد تتساءل عزيزي القارئ من أنا و لأي بلد أنتمي , لا يهم من أنا و لا لأي بلد أنتمي طالما أني واحد منكم همكم همي و ألمكم ألمي , ولنخرج من هذه النظرة الإقليمية الضيقة و لننطلق لما هو خيرنا جميعا .
تمهيد
تتجه كل الدول في العالم للانضواء في تكتلا ت سياسية و اقتصادية حرصا على مستقبل شعوبها بغض النظر عن الاختلافات الكبيرة بينها إلا نحن الدول العربية التي تتجه لمزيد الفرقة و التشرذم في ظل حكام مستبدين ليس لهم غاية إلى الاستئثار بالسلطة و الحفاظ على مصالحهم و مصالح أعوانهم ضاربين عرض الحائط بمصالح الشعب العربي .
و عندما تُطرح مسألة الإصلاحات الديمقراطية يأتي هذا الحاكم أو ذاك و يتبجح أن الشعب العربي غير مُهيأ و لم ينضج بعد للحياة الديمقراطية , و أنه بحاجة لمزيد من الحكم القمعي و الاستبدادي لفترات أخرى , أو أن الديمقراطية التي يطبقها في بلده هي الديمقراطية التي يحتاجها الشعب و التي ستبقيه في السلطة إلى الأبد , دورات رئاسية و دورات حتى موته , و بالتالي لا تختلف أنظمة الاستبداد العربية ملكية كانت أم جمهورية في شيء فهما وجهان لعملة واحدة , فإن كانت الأنظمة الملكية تمثل فردة الحذاء اليمنى من بسطار القمع و الإرهاب المسلط على الشعب العربي فإن الأنظمة الجمهورية تمثل الفردة اليسرى .
و نحن إن كنا نريد أن نقيم جمهورية الاتحاد العربي علينا أن نرمي هذه الأنظمة إلى مزابل التاريخ و نقيم دولة المواطن و القانون .
عندها سنتمكن من حل كل مشاكلنا في الداخل و الخارج و خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية , بكل بساطة و سنحصل منها على كل ما نريد على طاولات المفاوضات لأننا سنفوضها بشخص واحد يتكلم باسم 300 مليون عربي يعشون على 14 مليون كم مربع .
قد يقول قائل ما هذه الأحلام , أو أن هذا الأمر مستحيل حتى في الأحلام ,
الأمر صعب ولكن ليس مستحيلا , فكل شيء ممكن إن بدأته بشكل صحيح و منهجي , و أنا من خلال هذه المدونة حاولت أن أجد حلولا متكاملة لكل شيء و كل ما سأطرحه هو قابل للبحث و الحوار و التعديل لما هو في مصلحة الأمة , حتى مشكلة وجود اليهود في فلسطين سأطرح لها حلا يرضينا تماما , و لن تستطيع مجموعات قطاع الطرق الحاكمة في تل أبيب رفضه .
الطريق طويلة و شاقة جدا , و رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة , وليس أممنا خيارات إما أن نتحد أو نضمحل .
قد يقول قائل لقد طُرحت هذه الأفكار سابقا فلم ينتج عنها شيء , نعم لقد طُرحت أفكار مشابهة بشكل أو بأخر و لكن كان ينقصها الكثير و خاصة من ناحية الإصلاح الديني وهناك عدة أسباب لعدم نجاحها , أولها غياب الديمقراطية و الحرية , على سبيل المثال في الزمن الناصري و المد الوحدوي و ذاك القائد التاريخي , عندما كانت المخابرات المصرية تحصي على الشعب المصري أنفاسه و كلماته و نظراته , أسأل أي شعب ممكن أن يكون فاعلا و منتجا في مثل هذه الظروف , فكانت النتيجة الطبيعة لهذا الوضع هو الهزيمة المذلة في حرب 1967 التي لن تُمحى من ذاكرة الشعب العربي لفترة طويلة , فذاك القائد الخالد و الذي ستبقى هزيمة 67 مقترنة و خالدة باسمه إلى الأبد , وهو فقط من يتحمل تلك الهزيمة , فهو لم يكن همه لا إسرائيل و لا قوتها العسكرية , و كان كل همه البقاء في السلطة و ملاحقة أبناء الشعب المصري لأدنى كلمة أو همسة أو حتى نكتة هل من الممكن أن تكون الأفكار الوحدوية مثمرة في هكذا ظروف , عندما يصبح الزعيم في مصاف الآلهة و كلامه أهم من كلام الله , و الشعب مفروض عليه أن يسبح بحمده ليل نهار , وهو لا يأمن على نفسه و لا ماله و لا عرضه .
عندها من الطبيعي أن تكون الظروف على ما هي عليه الحال من الذل و الانكسار , لأن كل شيء في الوطن أصبح مُرتهن بالقائد.
نريد أن ننتهي من القائد التاريخي و القائد الرمز و حكيم العصر و جلالته المعظم بشكل نهائي و إلى الأبد .
نريد أن يكون رئيس جمهورية الاتحاد العربي موظف يعينه الشعب عبر اقتراع مباشر و لفترة رئاسية واحة فقط لا غير , وهذا يتحقق إذا نحن فعلنا ما يتوجب علينا بالوسائل الشرعية و القانونية مستندين على شرعة الأمم المتحدة في حق الشعوب في تقرير مصيرها .
سأعرف مفهوم المحاور الثلاثة التغيير و الإصلاح و الحرية حتى تكون الأمور واضحة قبل أن أدخل في فصول المدونة .
التغيير
التغيير هو استبدال شيء بأخر كأن أقول غيرت طريقي أي أني استبدلت الطريق الذي كنت أسير فيه بآخر بشكل كامل , فكان لابد أن يكون أول المحاور هو التغيير, تغيير كل شيء غير صالح ابتداء من الحكام وانتهاء بالمجتمع .
الإصلاح
أتبعت الإصلاح بالتغيير حتى أبين أن غاية التغيير هو نحو الإصلاح نحو الأفضل , لأن التغيير أحيانا يكون نحو الأسوأ , كالتغييرات التي تقوم بها أنظمة الاستبداد العربية , فالتغييرات التي تجريها عادة ما تزيد من تعاسة المواطن العربي و معانته .
و أهم شيء في الإصلاح هو الإصلاح الديني , فهناك أخطاء كبيرة قد حصلت في طريقة فهمنا للإسلام , و كل شيء سوف أطرحه سيعتمد على الدليل الشرعي و العقلي , فقط نحن بحاجة للتجرد و العلمية في بحثنا عن الحقيقة و أن نتجاوز كلام الرجال و فهمهم للنصوص , و بغض النظر عن رأي التيارات الإسلامية فيما أقول أو وجدته غريبا و جديدا و غير مطروح سابقا, و لا يهم رأي الأشخاص إن كان ما سأطرحه مستندا على الأدلة الشرعية و العقلية .
الحرية
الحرية إحدى حاجات الشعب الضرورية و التي حرم منها الشعب العربي لعقود طويلة و التي هي جزء أساسي للنهوض في هذا العصر , و أنا أقصد الحرية الحقيقة التي تؤمن للشعب و للفرد كامل الحرية في اختيار طريقة حياته و معتقداته بعيدا عن إرهاب السلطة التي تمارسه الأنظمة العربية .
الفصل الأول
الإصلاح الديني
الأمة العربية اعتمدت في تشكيلها على مبادئ دينية , و في أي تغيير أو إصلاح يجب مراعاة مسألة الدين و الانطلاق على أسس دينية واضحة , و أي إصلاح لا يبدأ بالدين سيكون مصيره الفشل و قد شاهدنا الكثير من التجارب , و سأتطرق في مسألة الإصلاح الديني إلى كل شيء , مثل مصادر التشريع , الحاكمية , الجهاد , و كل ما يهم مسألة الإصلاح .
اختلف الفقهاء في تحديد مصادر التشريع الإسلامي اختلافا كبيرا فما تجده مصدرا تشريعيا معتمدا عند فقيه تُبنى عليه الأحكام , تجده غير مقبول البتة عند آخر , و لكنهم اتفقوا جميعا أن القرآن هو المصدر الأول للتشريع ,
و سيكون القرآن هو الأساس الذي سأنطلق منه لمسألة الإصلاح الديني مادمنا جميعا متفقون أنه المصدر الرئيس للتشريع الإسلامي .
لقد طال الكلام و كثر جدا في السُنة و الأحاديث و صحة ما ورد فيها و كيفية التعامل معها , سأحاول أن أتعرض لهذا الموضوع بشكل كامل متجنبا في نفس الوقت الإطالة التي مازالت مستمرة منذ صدر الإسلام , و أدعو كل شخص أن يعمل بنفسه على هذا الموضوع حتى يتحقق من صحة ما وصلت إليه .
القرآن دوِّن في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم وهذا الأمر لا يختلف فيه أحد و حقيقة يسلم بها الجميع , أما بالنسبة لتدوين السُنة فيقولون إن الرسول نهى عن تدوينها و يستشهدون بالحديث الشائع " لا تكتبوا عني شيئا " و يقولون إنه سمح أحيانا أخرى , و لكن هذا السماح الذي يقولون إن الرسول أذن به لم ينتج عنه مدونات مكتوبة للحديث كمدونات القرآن التي اعتمدها عثمان بن عفان في جمع القرآن , أي أن مشكلة تدوين السنة بدأت في حياة الرسول , لماذا ينهى الرسول عن التدوين أحيانا و يسمح أحيانا أخرى , إذن هناك مشكلة وقد يكون أن الرسول سمح لبعض الصحابة بالتدوين لسبب أو لآخر , فيما يسمونه في الفقه { الحكم الخاص } و هم في مناهجهم الفقهية يقولون أن الحكم الخاص لا يصبح حكما عاما , و هنا أتساءل كيف يخصصون العام وهذا الأمر مرفوض تماما في كل المناهج الفقهية , و يقولون إن الحديث النبوي جزء من الوحي , فلماذا لم يأمر الرسول بتدوينه كما أمر بتدوين القرآن إذا كان الأمر وحياً كما يدعون , قد نسمع ردودا على هذه التساؤلات منها أن الرسول نهى عن تدوين السُنة حتى لا تختلط بالقرآن , إن هذا لأمر غريب عجيب وهو أن التدوين يجعل الأمور تختلط ببعضها , مع أن البشرية منذ أقدم العصور كانت تقوم بالتدوين حتى لا تختلط الأمور ببعضها , حتى نحن في حياتنا اليومية عندما نحرص أن لا يختلط أمرا بآخر نقوم بتدوينه فبأي منطق يُطلب منا أن نقتنع بمثل هذه المزاعم , ليس من المهم أن تجد تبريرا لمسألة ما , المهم أن يكون التبرير موافقا للمنطق و العقل , و سواء أذن الرسول بتدوين السُنة أو نهى فالجميع مُقر و بشكل كامل أن السُنة لم تدون في عهد الرسول و لا في عهد الخلفاء الراشدين و قد بدأ في النصف الثاني من العهد الأموي ولم يكتمل إلا في العهد العباسي , أي أن هذه الأحاديث الموجودة بين أيدينا بقيت تتدولها الألسن أكثر من قرنين من الزمن , و من هنا نجد أنه لا مناص من إعادة دراسة كل الأمور المتعلقة بكتب الحديث و السُنة .
مذاهب أهل السُنة و مذاهب الشيعة يقولون إن كتب الحديث هي مكملة للقرآن و إن الكثير من الأحكام غير واضحة في القرآن و نحن بحاجة للحديث النبوي لتوضيحها , لننظر ماذا يقول الله عز و جل في سورة النحل الآية 89 { َيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } إذاً الكتاب أي القرآن تبيانا لكل شيء, و عندما يقول الله إن الكتاب تبياناً لكل شيء فهو تبيانا لكل شيء , هذا هو الكلام الفصل في هذا الموضوع , و من يقول إن القرآن بحاجة إلى كتب أخرى تبينه فليراجع معتقداته و أفكاره , كلام الله هو الفصل و نحن علينا أن ننطلق في كل شيء من خلال هذه المسلمة التي لا تقبل النقاش , و سيأتي السؤال مباشرة كيف سنصلي فشكل الصلاة و أوقاتها ليس واضحا , كيف سنؤدي الزكاة , كيف سيكون الآذان , ما هو عدد أشواط الطواف حول الكعبة , أسئلة كثيرة لم يرد لها أجوبة في القرآن , ورد في سورة المائدة الآية 6 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذا هو الوضوء كما أراده الله عز و جل أن يبقى إلى يوم القيامة , أما بالنسبة للصلاة لم ترد مفصلة كالوضوء و لكن هناك ملامح للصلاة وردت في عدة آيات و قد أخذ منها أبو حنيفة أركان الصلاة كما في سورة الإسراء الآية 78 { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } في سورة الحج الآية 77{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } و السؤال الذي يطرح نفسه لماذا ورد الوضوء واضحا و مفصلا و لم ترد الصلاة كذلك , أنا ليس لدي جواب ولا أظن أن أحدا ما يقول إن لديه جواب , و المطلوب منا أن نؤمن بالقرآن كما آتى و كما أراده الله سبحانه و تعالى , و لسنا مكلفين بأن نبحث في كتب نقلها فلان عن فلان لنُكمل ما اعتقد البعض أنه نقصاً .
جاء في الكثير من الآيات الحض على مسألة طاعة الله و طاعة الرسول كما في سورة النساء الآية 59 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } نحن نطيع الله عز و جل عندما نتبع تعاليم كتابه العزيز و هذا لا يختلف فيه اثنان , ولكن المشكلة في طاعة الرسول , هل نحن عندما نتبع كتب الحديث التي تناقض القرآن و تناقض بعضها نكون قد أطعنا الرسول , و حتى أستطيع أن أوضح هذه النقطة يجب أن نتفق على مفهوم الرسول , عندما يقول شخص ما إن لديه رسالة في هذه الحياة يعني أن لديه مهمة عليه تأديتها , و هذا يشمل كل شيء سواء كان نقل رسالة أو تنفيذ مهمة , و الرسول محمد صلى الله عليه و سلم كان رسولا مكلفا بنقل القرآن إلى البشرية جمعاء ابتداء من عصر الصحابة إلى يوم القيامة , ولا أظن أن أحدا يخالفني الرأي و المهمة الأخرى التي كلف بها الرسول هي تطبيق القرآن و تنفيذ أحكامه , فأصبح لدينا الآن الرسول الذي يبلغ و الرسول الذي يحكم , و الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه المذاهب السنية و الشيعية على حدٍ سواء هو الخلط بين مهمتي الرسول التبليغ و الحكم , ولا أحد يجادل في أن الرسول كان هو الحاكم و كان الصاحبة مكلفين بطاعته بصفته حاكما في تلك الفترة , وقد كانت كل الأحكام التي يصدرها ملزمة للناس في حياته فقط و لذلك نهى عن تدوينها كتدوين القرآن .
ومن هنا نصل إلى نقطة الرسول الحاكم يقول الله عز و جل في سورة يونس الآية 47 { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } كلمة أمة لها معاني كثرة منها مجموعة من الناس كما في سورة القصص الآية 23{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } ومن معاني كلمة أمة أيضا الطريقة و المبدأ كما في سورة الزخرف الآية 22{ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ } ومن معاني كلمة أمة الجنس و العرق كأن نقول الأمة العربية أو الأمة الألمانية و إن كان هذا المعنى لم يرد في القرآن , و تأتي كلمة أمة بمعنى الفترة من الوقت كما في سورة يوسف الآية 45 { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } و سورة هود الآية 8 { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ } لا أحد يقول إن كلمة أمة في هاتين الآيتين لا تعني الفترة من الوقت , فإذا وضعنا هذا المعنى في سورة يونس الآية 47 { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يصبح المعنى أن لكل فترة رسول , و في هذه الآية لا تحتمل كلمة أمة إلا هذا المعنى أن لكل أمة رسول , رسول الفترة أي الرسول الحاكم الذي تناط به مسألة تنفيذ و تطبيق أحكام القرآن على الناس و لكن هذا المصطلح لم يستخدم بعد وفاة الرسول , و اسُتخدم بدلا عنه مصطلح الخليفة وهو مطابق تماما لهذا المعنى , فعندما نقول أن فلان خلف فلان في الحكم أو في الإدارة نعني أنه استحوذ على كامل صلاحياته و مهماته وهذا ما فعله أبو بكر و عمر .
لقد كان تطبيق أبو بكر و عمر موافقا تماما للاستنتاجات التي أوردتها و خاصة فيما يتعلق بمسألة الحديث , إن أول من قام بإحراق و إتلاف مدونات الحديث هما الشيخان أبو بكر و عمر , و هنا أعيد و أكرر التساؤل لو كانت الأحاديث وحيا و تشريعا من عند الله لماذا قام الشيخان بإتلافها ,
وأما ما يقال في أن ما قاما به هو رأياً و اجتهدا شخصيا لهما , فهذا الكلام لم يعد مقبولا و ليس له معنى , قد يقول قائل إنهما أبقيا الأحكام كما هي ولم يبدلا الكثير منها , هذا صحيح فكل الصحابة عاشوا مع الرسول ومن الطبيعي أن يعتمد الشيخان على الأحكام التي وضعها الرسول , ولكن يجب أن يكون لدينا كامل الاعتقاد أنه يحق للحاكم اعتماد أية أحكام شريطة أن لا تخالف روح و طبيعة القرآن و بالعودة إلى الفترة العمرية نجد أن عمر بن الخطاب قدم أمثلة واضحة على ذلك فهو أوقف العمل بالنص القرآني الوارد في سورة المائدة الآية 38 { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } في عام الرمادي بسبب المجاعة , و أوقف نصيب المؤلفة قلوبهم من الصدقات الوارد في سورة التوبة الآية 60 { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } و نستنتج من ذلك أنه يحق للحاكم تشديد بعض الأحكام أو تخفيفها حسبما تقتضي مصلحة المسلمين .
أورد البخاري في كتابه التأريخ أن أبو هريرة نقل رواية من كعب الأخبار تقول : إن الله خلق السموات و الأرض في سبعة أيام .
و كل الآيات الواردة في هذا الموضوع تقول في ستة أيام كما في سورة يونس الآية 3 { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } وقد ورد هذا أيضا في سورة الأعراف الآية 54 و سورة هود الآية 7 و سورة الفرقان الآية 59 السجدة الآية 4 و سورة قاف الآية 38 .
و بما أن هذه الحديث يناقض القرآن بشكل صارخ و لم يتمكن أن يجد له الفقهاء و المحدثون تأويلا فقالوا إن بعض الرواة توهم و رفع الحديث للنبي
و هنا بيت القصيد هل من الممكن أن يكون التشريع و العقيدة خاضعة لتوهم راوي و شك ثان ٍ و نسيان ثالث و تدليس رابع , فمن كان راويا عدلا و معتمدا عند محدث كان خلاف ذلك عند آخر .
لنأخذ مسألة أخرى و هي مسألة فقهية توضح التباين بين الأحكام وهي عقوبة الزاني المحصن , يقول الله عز و جل في سورة النور الآية 2 { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } و لم تفرق الآية بين المحصن و غير المحصن , أما الفقهاء فيقولن إن هناك آية منسوخة لفظا مثبتة حكما تقول : الشيخ و الشيخة إن زنيا فارجموهما البتة .
إنه لأمر عجيب أن تُنسخ أية لفظا و تبقى حكما في كتب يتوهم روتُها فيما سمعوه عن بعضهم هل هذا يقبله العقل , قد تكون هذه الآية كانت موجودة و على أساسها كانت تنفذ أحكام الرجم في عهد النبي ولكنها نُسخت , و الله يقول في سورة البقرة الآية 106{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} و إذا كانت هذه الآية قد نُسخت فهي نُسخت لفظا و حكما , و لو أراد الله أن يبقيها لأبقها تتلى و يُعمل بها إلى يوم القيامة .
سيقولون إن عمر قام برجم الزاني المحصن فعلى أي أساس , الرد بسيط و قد ذكرته قبلا , على أساس أن الحاكم يحق له أن يشدد الأحكام أو يخففها حسب الظروف وقد ذكرت أمثلة على ذلك .
نعود إلى القرآن الكريم و نرى أنه لا يخالف بعضه بعضا منسجما مع نفسه و نجد أنه عندما نزل الحد في الجارية الزانية في سورة النساء الآية 25{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فحد الجارية الزانية المتزوجة نصف ما على المرأة الحرة المتزوجة , فإذا كان الحد هو الرجم كما يزعمون , فالرجم لا يُنصف إنما الذي يُنصف هو العدد وهو مئة جلدة فتصبح خمسين.
المشكلة في كتب الحديث و عدم توافقها لامع بعضها و لا مع القرآن و عندما نعود إلى القرآن نجد أننا لسنا بحاجة إلى هذه الكتب التي تعد بالعشرات و تفاسيرها بالمئات , وهي متاهة أدخلونا فيها منذ مئات السنين و حان الوقت للخروج منها , و قد كان عمر بن الخطاب أمير المؤمنين كثير الريبة من روايات الحديث دائم الشك فيها لعلمه أنها قد لا تكون كما قالها الرسول , و هذا الأمر ينطبق على أبو حنيفة فلم يكن متيقنا أن ما يتداوله الناس من روايات هي ما قالها الرسول فعلا , و بنى مذهبه على هذا الأساس كما سنرى و هو الذي يعتبر من التابعين المتأخرين حسب التعاريف المعتمدة , أي أنه عاصر الصحابة .
يعتمد أبو حنيفة في أصول مذهبه على القرآن و ما يعتبره صحيحا من الأحاديث , أي الأحاديث المتواترة و هي قليلة جدا , أما بالنسبة لأحاديث الآحاد و التي تشكل ما نسبته 90% من الحديث فقد اُعتبرت في مرتبة أقل و أنها لا تصلح ليعتمد عليها في التحريم وفي الفروض, و للخروج من هذا المأزق , أوجدوا مصطلحات جديدة لم تكن موجودة في عهد النبوة , فإن ورد تحريما في حديث آحاد اعتبروه مكروه تحريما , أما الفروض الوارد في الأحاديث الآحاد فاعتبروها بمثابة واجبا .
إذاً مسألة التعاطي مع الحديث ليست مشكلة حديثة بل هي موجودة منذ أن وجد الإسلام , و الحل هو أن نعود إلى القرآن إلى كتاب الله , الكتاب الذي قال الله عز و جل عنه إنه تبيانا لكل شيء , أعود و أكرر إن من ظن أن القرآن ليس تبيانا لك شيء فليراجع عقيدته.
يرتكز الإسلام على فترتين , الفترة المكية أي فترة اللاحكم و الفترة المدنية أي فترة الحكم , مذاهب السنة و الشيعة لم يستطيعوا حتى الآن التمييز بين هذين الأمريين .
وإذا سألناهم هل الإسلام في حالة الحكم أو في حالة اللاحكم لا أظن أن أحدا ما سيقول إن الإسلام في حالة حكم , و هنا سأطرح سؤالا أساسيا كيف سنطبق إسلام المذاهب و التي وضعت في فترة الحكم في فترة اللاحكم .
فالإسلام دين حكم , دين سيادي , لا يقبل أنصاف الحلول , لكل زمن فيه أحكام و قواعد وأيّ خلط سيكون له نتائج خطيرة و سلبية , و أكثر ما يتجلى هذا الأمر في الحاكمية و الجهاد , فآيات الحاكمية و الجهاد بدأ نزولها في الفترة المدنية آي بعد تأسيس الدولة وهي واضحة في قوله تعالى في سورة الحج الآية 39 { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } و الآية 40 { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } و الآية 41 { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } فكما نرى من خلال الآيات الماضية ارتباط مسألة القتال و الجهاد بمسألة الحكم و التمكين في الأرض .
ماهو التمكين في الأرض ؟
التمكين في الأرض هو امتلاك السيادة المطلقة و القوّة اللازمة لحماية هذه السيادة و قوانينها دون أية تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية وفي حال وجود أي ضغوط أو شروط خارجية أمام الحاكم المسلم تفقده تطبيق الأحكام الشرعية , لم يعد ينطبق عليه وصف الخليفة أو الحاكم المسلم .
ومن جملة الأحكام التي تناط بالحاكم تنفيذها هو الجهاد فيما يمكن أن نسميه اصطلاحا " الجهاد السياسي " و التعريف الشرعي لمصطلح الجهاد , هو إخضاع الأرض لحكم الإسلام و تهيئة الظروف لكل إنسان للدخول في الإسلام بدليل قوله تعالى في سورة الأنفال الآية 39 { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }و سورة التوبة الآية 123 { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} إذاً كما نرى أن غاية الجهاد هو حكم الأرض وهو من اختصاص الدولة و الحاكم المسلم في فترة الحكم أي المرحلة المدنية .
أما في مرحلة اللاحكم أي في الفترة المكية كان الأمر مختلفا تماما وكانت تسمى مرحلة كف اليد بدليل قوله تعالى في سورة النساء الآية77 { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي أنه لم يكن يحق للمسلمين أن يستخدموا القوة و السلاح في نصرة الدين و الفكرة.
و مادمنا في مرحلة اللاحكم و في فترة مطابقة للمرحلة المكية فمن الطبيعي أن يعود حكم كف اليد أي إننا لا نستطيع أن نستخدم القوة و السلاح في الجهاد السياسي لإنشاء دولة إسلامية وما دام حكم كف اليد هو الذي كان سائدا في مرحلة المكية فهو الحكم الشرعي في هذه المسألة .
و هذه الأفكار و الاستنتاجات و الآراء المطروحة في هذه المدونة نتيجة تجربة طويلة مع الإسلاميين من مختلف اتجاهاتهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار , و لا أخفيكم سراً إن قلت إني كنت أتبنى الفكر الجهادي و العمل المسلح بشكل لا يختلف إطلاقا عن الجهاديين الحاليين , وإذا بحثنا في القراءة الفكرية و الفقهية لأهل السنة و الشيعة نجد أن الجهاديين المنتشرين في كل أنحاء المعمورة هم أفضل من يطبق الإسلام المذهبي ابتداء بابن لادن و الظواهري و انتهاء بأبي سياف , و كل الجهاديين في جميع أنحاء العالم يعتمدون على هذه القراءة للفكر الإسلامي و كل ما يفعلونه هو صحيح تماما ضمن أصول المذاهب السنية و الشيعية , و من يقول غير ذلك ممن يقولون عن أنفسهم علماء الدين و المراجع فهم إما جاهلون أو خائفون أو يتملقون الغرب , و هم بعيدون جدا عن فهم مذاهبهم و كأنهم لم يطلعوا على شروط الحاكمية و الجهاد و دار الحرب و دار السلم و المعاملة بالمثل الواردة في أصول المذاهب كافة .
و من خلال هذا العرض نستنتج أنه لا يحق لأي ٍ كان أن يحمل السلاح باسم الدين لإقامة الدولة الإسلامية , فطريقة إقامة الدولة الإسلامية له شروط و قواعد واضحة ومن خلالها يمكن تأسيس الدولة الإسلامية بالوسائل السلمية و عندها يكون الجهاد و حمل السلاح فقط بيد الخليفة و الحاكم المسلم فقط لا غير ليكون الدين لله .
أما حمل السلاح لغايات أخرى كما يفعل المقاتلون في العراق و فلسطين و لبنان فهو جهاد الدفاع عن النفس , جهاد مقاومة الاحتلال , جهاد الدفاع عن العرض , جهاد الدفاع عن الأرض , فهو مشروع و جائز كليا , وهو يختلف تماما عن الجهاد السياسي .
عرضت وجهة نظري من هذه المسألة مرفقة بالأدلة , و الآن لنرى وجهة نظر الطرف الآخر وما هي النتائج المترتبة على تصورات لا تستند على أسس صحيحة فيما لو قاموا بتطبيقها في الزمن الحاضر .
كما ذكرت الحكم الإسلامي يحتاج إلى سيادة مطلقة لا يعوقها شيء , ولنرى حدود السيادة في هذا الوقت .
تعتمد الحركات الإسلامية على طريقتان للوصول للسلطة إما عبر السلاح أو صناديق الاقتراع , الطريقة الأولى معروفة و واضحة , أما الطريقة الثانية ففيها الكثير من الإشكالات الشرعية و المبدئية لدى أصحابها .
كل الاتجاهات و الأحزاب الإسلامية التي تبيح المشاركة في السلطة عن طريق العملية الديمقراطية لا تعتبر هذا الأمر جائز شرعا بشكل دائم إنما هو أمر مرحلي و مؤقت حتى تشتد قوتهم و يستطيعون الاستحواذ بالسلطة و رمي شركائهم من بقية الاتجاهات خارج السلطة و تأسيس دولة إسلامية دستورها القرآن , وفي النتيجة النهائية لا يختلف أسامة بن لادن زعيم القاعدة عن طيب رجب أردوغان زعيم حزب العدالة التركي , فكلاهما يريد إنشاء دولة إسلامية دستورها القرآن , أسلوب الجهاديين الإسلاميين واضح وصريح , أما أسلوب الديمقراطيين الإسلاميين فهو غير واضح وغير صريح و فيه الكثير من المواربة , فعندما يدخل طرف ما في عملية ديمقراطية من الناحية النظرية يجب أن يؤمن بمبدأ تبادلية السلطة و حكم الأكثرية وهذان المبدءان مرفوضان تماما في كل المذاهب الإسلامية , وهنا أتسائل عندما تدخل الجماعات الإسلامية في العملية الديمقراطية وهي تُضمر في داخلها نية الانقلاب على العملية الديمقراطية , أليس فيها خيانة و غدر و خروج على الوفاء بالعهد , وهمْ بين خطين متناقضين , الشرع الإسلامي في القراءة المدنية لا يبيح الانظواء في الحكم الوضعي و القبول به , و الحكم الديمقراطي يعتمد على الحكم الوضعي الذي تريده الأكثرية .
إذاً ليس من المستحيل وصول الإسلاميين للسلطة , ولكن السؤال الأساسي ماذا بعد السلطة , لنتصور أن الإسلاميين و صلوا للسلطة في بلد ما بغض النظر عن الطريقة و نصبوا حاكما, ما هي مقومات الاستمرار التي تمتلكها هذه الجماعة فهي أمام خياران لا ثالث لهما إما أن تقوم بتنفيذ الأحكام الشرعية كما هي و عندها ستقف كل القوى العظمى ضدها و تعمل على إسقاطها , كما حصل مع حركة طالبان , و السؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي السيادة التي تمتلكها مثل هذه الدولة التي كلفها حماية شخص بغض النظر من هو هذا الشخص وما فعل , الإطاحة بها و رمياها إلى جبال أفغانستان و كهوفها وإذا درسنا حكم طالبان نجد أنه أصح ما طبق من الأحكام على المذاهب السنية في الوقت الحاضر , فكل ما قاموا به هو صحيح تماما في هذه المذاهب وله أدلة و أصول وكما رأينا حركة طالبان لا تمتلك أدنى مقومات الدولة , فالدولة الإسلامية ليست مجرد حدود و علم و طوابع , إنما هي قوة فاعلة قادرة على حماية قراراتها , قادرة على حماية شعبها , قادرة على حماية حدودها, قادرة على مواجهة القوى الأعظم بشكل متكافئ , وليس سبب وجودها قرارا من مجلس الأمن أو ظروف و تناقضات معينة , و كلنا يعلم أن الذي أوجد حركة طالبان هم الباكستانيون بسبب عدم توافقهم مع أمراء الحرب.
قد لا يخالفني أحد على هذه المسألة , أن حركة طالبان وُجدت في ظروف و تناقضات معينة , ولكن أنا أرغب بمناقشة الموضوع الأهم , ما هي حدود سيادة الدولة الباكستانية , هذه الدولة الإسلامية الكبيرة و الوحيدة في العالم الإسلامي ذات القدرات النووية, التي أجبرتها ظروف ضعفها على الرضوخ للولايات المتحدة و فتح أرضيها و أجوائها للقوات الأمريكية حتى تقوم بتدمير حركة طالبان صنيعتها في أفغانستان , لا تقولوا لي إن برويز مشرف هو الذي تخاذل في هذه المسألة , فهو لم لديه خيارات إما أن ينصاع أو يواجه , وفي حال المواجهة هل لدى باكستان مصانع تنتج أسلحة و طائرات و دبابات تواجه الأسلحة الأمريكية , هل لديهم حاملات طائرات تستطيع الوصول للشواطئ الأمريكية و دك واشنطن و نيويورك , هل لديهم اقتصاد يفوق أو يوازي الاقتصاد الأمريكي , عندما تمتلك دولة هذه الأمور يحق لها أن تكون دولة ذات سيادة قادرة على حماية شعبها و حدودها و قراراتها .
و طبعا هذا الكلام ينطبق على كل الدول الإسلامية الكبيرة , ينطبق على إندونيسيا و مصر و إيران و تركيا و نيجيريا و السعودية , فكل هذه الدول ضعيفة في مفهوم القوة , حتى لو قامت أنظمة إسلامية فيها , فهي أمام احتمالان إما أن تطبق الأحكام الإسلامية التي تحتاج إلى سيادة مطلقة و هذا يتطلب قوة عسكرية و اقتصادية و تكنولوجية توازي قوة الولايات المتحدة , أو أنها ستتنازل في مسائل شرعية أساسية كبرى تفقدها شرعيتها الدينية بشكل كامل .
خلاصة
إقامة دولة إسلامية ذات سيادة حقيقية في هذه الظروف أمر غير متاح حاليا بسبب ضعف المسلمين في كل المجالات العسكرية و الاقتصادية و التكنولوجية و سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها على كل مجالات و مفاصل الحياة على الأرض , هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتعامل معها بشكل واقعي , و مادمنا محكومون بهذا الواقع علينا إيجاد حلولا أخرى , و الله عز و جل لا يكلف نفسا إلا وسعها , و مادام المسلمون حاليا غير قادرين على إنشاء دولة إسلامية عليهم إيجاد بدائل واقعية و الاتجاه القرآني الذي ذكرت بعضا من ملامحه و الذي يحتاج لبحوث مطولة يمكن أن يكون بديلا لكل الاتجاهات الإسلامية السائدة حاليا وهو أن كل شخص يمكن أن يحمل العقيدة الإسلامية و أن يقوم بواجباته الشرعية بشكل فردي و شخصي لا يتعارض مع الآخرين , و أن يسعى في نفس الوقت ليحيا حياة كريمة ضمن دولة تحترم حقوقه و كرامته و إرادته .
الفصل الثاني
قراءة في الواقع السياسي
يعتمد أي مشروع سياسي في نجاحه على القراءة السياسية الصحيحة للواقع , و أي خلل في القراءة للواقع السياسي سيؤدي لدفن هذا المشروع في المهد , و سأعرض في هذا الفصل قراءة شاملة للأوضاع السائد في منطقتنا و كيفية التحرك ضمنها لتحقيق رغبات الشعب العربي في الاتحاد و الحرية , وما هي أهداف و خيارات كل الأطراف الفاعلة في المنطقة العربية .
غاية هذا المشروع هو إنشاء جمهورية الاتحاد العربي , سيقول قائل إن الولايات المتحدة لن تسمح بمثل هذه المشاريع , نعم , هذا صحيح تماما , و لكن هي لن تستطيع محاربته بشكل علني و مباشر , فدائما الولايات المتحدة تدعي و تزعم أنها مع الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان و حق الشعوب في تقرير مصيرها و حق كل طرف أن يسعى إلى أهدافه عبر الوسائل القانونية و الشرعية , و هذا المشروع لن يخرج عن هذه العناوين بأي حال من الأحوال , و الولايات المتحدة تخوض حربا ضد الجماعات الجهادية , حربا طويلة جدا , لها بداية و لكن ليس لها نهاية , و هي واقعة بين طرفي نقيض الأنظمة العربية و الجماعات الإسلامية الجهادية و غير الجهادية , فإن دعمت الأنظمة زاد هذا الأمر من ظهور الجماعات الجهادية و إن دعمت العملية الديمقراطية سيصل الإسلاميون الديمقراطيون إلى السلطة , وحتى تصل الولايات المتحدة إلى قناعة أنها لن تستطيع هزيمة الجماعات الجهادية و سحقها تحتاج على الأقل لعشر سنوات , و علينا خلال هذه المدة أن نسعى لبلورة هذا المشروع بشكل متكامل و إيجاد قاعدة شعبية له في الشارع العربي تكون مؤثرة و فاعلة , و ستجد الولايات المتحدة نفسها في نهاية الأمر بحاجة لبديل عن أنظمة الاستبداد العربية و الجماعات الإسلامية , طبعا حكومات ديمقراطية على شاكلة حكومة كرازي في أفغانستان و حكومة علاوي ومن خلفه في العراق لن يكون الحل و سيعقد المشكلة أكثر , وهي في النهاية لن تسمح للجماعات الإسلامية بإنشاء أنظمة إسلامية تسعى لتدميرها ولو كلفها ذلك مئة حرب , ففي تلك المرحلة ستضطر إلى القبول بفكرة جمهورية الاتحاد العربي مكره لا راضية , فالمواطن الأمريكي و الغربي بدأ منذ الآن يتململ من هذه الحرب وهو لا يزال في المربع الأول فما بالك بعد عشرة أو عشرين سنة , و الجماعات الإسلامية الجهادية لم ولن تستسلم , و الموجات القادمة من هذه الجماعات ستكون أعنف و أكثر جرأة و سوف تعتمد على التكنولوجيا بشكل أكبر و ستقوم بتحيد المدنين بشكل تدريجي مما سيكسبها تأييد أكبر في الشارع الإسلامي و الشارع الغربي من الساخطين على الأنظمة الرأسمالية , و ستقوم بعمليات نوعية ضد مكامن القوة و مراكز القرار السياسي و العسكري في العالم و سيجد المواطن الأمريكي و الغربي نفسه في وسط معركة ليست معركته مما سيشكل ثقل ضاغط على الحكومات الغربية لإنهاء الحرب و مادامت المشكلة لدى الجماعات الجهادية مشكلة عقيدية و فكرية و فقهية و ليست كما تظن أمريكا و الغرب أنها مشكلة أمنية مع مجموعات تشبه عصابات المافيا , فيجب أن يكون الحل عقيدي و فكري و فقهي , و أمريكا و الغرب ليس لديهم أي حلول لنا, فهذه الحلول لا يمكن أن تأتي إلا من داخل الواقع , ونحن الذين نملك الحلول لمشاكلنا, وقد قدمت في فصل الإصلاح الديني تصورا متكاملا عن الحلول الشرعية و الفقهية لمشاكلنا الدينية .
ملاحظة
أعود و أكرر إن عدم إمكانية إقامة دولة إسلامية ذات سيادة مطلقة بسبب عدم التكافؤ العسكري و الاقتصادي و التكنولوجي مع الغرب و الإشكال العقيدي و الفقهي في إقامة دولة إسلامية بالعنف أو بالعملية الديمقراطية هو سبب البحث عن طرق أخرى نحافظ فيها على معتقداتنا في هذه المرحلة تاركين للأجيال القادمة حرية اختيار طريقة حياتهم في حال تغيرت الظروف الدولية و موازين القوى .
و إستراتيجية الأنظمة العربية واضحة و بسيطة جدا و هي الاستمرار في السلطة بأي طريقة و بأي ثمن , و أي زعيم من الزعماء العرب مستعد أن يضحي بكل شيء حتى لو كان كل شعبه مقابل أن يبقى في السلطة .
منذ أن تحالفت الولايات المتحدة الأمريكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مع أغلب الأنظمة العربية و كانت الداعم الأساسي لبقائها في السلطة , لم تكترث في يوم من الأيام لمصلحة الشعب العربي لا من قريب و لا من بعيد ولم يكن يهمها لا نشر الديمقراطية ولا الحرية في وطننا كما تدعي اليوم و إنما دعمت مجموعات من عصابات المافيا التي تسمى اليوم الأنظمة العربية , و هذه الأنظمة ليس لها هم سوى البقاء في السلطة و جعلت من زعمائها رموزا لا تمس , و كان الثمن الذي دفعه المواطن العربي لاستمرار هذه الأنظمة غاليا جدا , و جعلت من المسألة الأمنية هي المحور الأساسي حيث يتمحور كل شيء حول الأمن , ولكن أمن من ؟
أنا أقول لكم أمن منْ , أمن النظام و زعيمه و أتباعه و مرتزقته , و قد كلف ذلك إزهاق حياة ملايين من المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج, ولم يكن أي مواطن يأمن على نفسه أو ماله أو عرضه , فكل شيء من الوطن و المواطن العربي مباحا أمام هذه الأنظمة لتحافظ على استمرارها و قد جاد الحكام العرب بتجريب ما يشاؤون من طرق الحكم على هذا الشعب المسكين , فتارة مجلس قيادة ثورة , و تارة جمهورية شعبية , و مرة ملكية دستورية و مرة ملكية غير دستورية , تعددت الأسماء و الألقاب و الهدف واحد قهر الشعب العربي .
أما الجماعات الإسلامية فأهدافها معلنة و هي تأدية فريضة الجهاد حتى النصر و إقامة دولة إسلامية أو الاستشهاد في سبيل هذا الهدف , و تعتمد على العنصر البشري بشكل رئيسي و هو السلاح الأساسي لديها ومن المستحيل تجفيفه و هو متوفر بشكل كبير جدا سواء في المجتمعات الإسلامية أو غير الإسلامية , و طالما العنصر البشري المحرك الأساسي لها ستبقى هذه الجماعات مستمرة و قائمة ولن تستطيع الولايات المتحدة دحرها و استئصالها , و الأمر الذي يثير الاستغراب هو اختزال العقيدة و الفكر الإسلامي بتنظيم القاعدة و زعيمه أسامة بن لادن و أنا متأكد تماما أنه في حال تم القضاء على ابن لادن و تنظيمه بشكل كامل لن يطول الزمن حتى تخرج مجموعات أخرى تحمل السلاح لتتابع المسيرة طالما أن القراءة الفكرية و الفقهية تعتمد على الاتجاهات الفكرية السائدة حاليا , و قوة هذه الجماعات عندما تكون خارج السلطة و على سبيل المثال كم كانت حركة حماس قوية عندما كانت خارج في السلطة و حرية الحركة متاحة لها تماما في كل الاتجاهات , أما عندما وصلت إلى السلطة باتت حركتها محدودة و عليها التزامات اتجاه الشعب الذي تحكمه , وفي الاتجاه الآخر حركة طالبان كم كانت ضعيفة عندما كانت في السلطة و في فترة زمنية محدودة استطاعت قوات تحالف الشمال بغطاء جوي أمريكي أن تطيح بها ولكن بعد أن أصبحت خارج السلطة باتت أقوى , و هي يوما بعد يوم تقوى و تكبد قوات التحالف خسائر متلاحقة.
و هكذا ستسمر الأمور ضمن ثالوث الواقع السياسي , الأنظمة العربية , الجماعات الإسلامية , الولايات المتحدة , و يبقى المواطن العربي يدفع ثمنا باهظا لتفاعلات هذا الثالوث بدون أي أمل أن يكون هناك حلولا لما تعانيه الأمة من مشاكل دينية و سياسية و اقتصادية و فكرية و اجتماعية .
و الآن نحن المهمشون الذين لا يكترث بنا أحد ماذا نريد , نحن الذين تُعاملنا أنظمة الاستبداد العربية كأننا كقطعان ماشية لا رأي لنا ولا قول ولا حق لنا إلا في ما تجود به القيادة , نحن الذين بالكاد نستطيع تأمين قوتنا اليومي , نحن الذين يُفرض علينا مبايعة الحاكم الجديد جمهوريا كان أو ملكيا منذ اليوم الأول حتى وفاته , نحن الذين استبيحت دماؤنا في كل مكان على أيدي أنظمة الاستبداد العربية و الأمريكيين و الإسرائيليين ؟
ماذا نريد ؟؟؟
نريد الخلاص من هؤلاء الحكام المستبدين و إلى الأبد , نريد أقامة جمهورية الاتحاد العربي على كامل الوطن من المحيط إلى الخليج , نريد أن نكون أحرار في اختيار دستورنا في اختيار رئيسنا في اختيار أحزابنا من خلال صناديق الاقتراع في عملية حرة و نزيه , نريد أن يكون لنا رئيس واحد و علم واحد و أن نحمل جواز سفر واحد , نريد أن نعيش بعزة و كرامة , نريد أن تكون السلطة موجودة لخدمتنا و ليس العكس , نريد أن نسافر من مسقط إلى نواكشوط و من الموصل إلى مقاديشو بدون جواز سفر و بدون تأشيرة , نريد أن يكون لنا عملة واحدة و منطقة اقتصادية واحدة أولها في البصرة و أخرها في الرباط تحقق لنا الأمن و الرخاء الاقتصادي .
هذا ما نريده بالضبط و لا أعتقد أن هناك مواطن عربي عادي يخالفني الرأي .
الإصلاح الفكري
سعت أنظمة الاستبداد العربية خلال العقود الماضية لتغيير أفكار و مفاهيم المجتمع العربي بما يتناسب مع استمرارهم في السلطة و قد استطاعوا إلى حد ما أن ينجحوا في غرس هذه المفاهيم و أول هذه الأفكار و المفاهيم ,
فكرة أن المجتمع العربي غير مهيأ على الإطلاق للعيش ضمن نظام ديمقراطي تعددي , و أن النظام الديمقراطي سيؤدي حتما إلى الفوضى الشاملة , و خاصة بعد احتلال العراق سارعت الأنظمة العربية إلى شعوبها قائلة انظروا هذه نتائج الديمقراطية و إن سعيتم للديمقراطية فهكذا ستكون حالكم , طبعا هذا الكلام تضليل و هو غير صحيح على الإطلاق لعدة أسباب , أولا أن الديمقراطية العراقية جاءت على ظهر الدبابات الأمريكية بعد حكم قمعي استبدادي قام به الطاغية صدام حسين لأكثر من ربع قرن بالحديد و النار , وقد زج خلالها العراق بكثير من المغامرات العسكرية الغبية و كأنه ملك من ملوك القرون الوسطى يسعى لتوسيع ملكه ناسيا أنه على أبواب الألفية الثالثة و أن هذا الأمر غير متاح حتى للدول الأعظم , الولايات المتحدة مثلا لا تستطيع أن تحتل كندا و تجعلها ولاية أمريكية تابعة لواشنطن رغم أنها من الناحية العسكرية قادرة ولكن ليس كل شيء يمكن حسمه عسكريا فهناك موانع أخرى لا يمكم تجاوزها .
لقد كان الشعب العراقي محكوما بحزب البعث الذي يزعم أنه حزبا قوميا و وحدويا و هو أبعد ما يكون عن ذلك , ومن خلال تطبيقه الشاذ للنظرية القومية أضحى المواطن العراقي يرفض الطرح القومي بشكل كبير , و مادامت العروبة هي التي تجمع القسم الأكبر من العراقيين قد تم تنحيتها بسبب همجية صدام حسين و جرائمه , أصبحت الطائفية و العشائرية و المذهبية بديلا للاتجاه القومي و هذه الاتجاهات لا تقل سوءا عن صدام حسين و أفكاره .
و قامت أنظمة الاستبداد بتعزيز الفكرة الإقليمية في الدول التي يحكمونها فبات من الطبيعي أن نسمع عبارات مثل الأمة الكويتية الأمة الجزائرية .
تحتاج الأمة لمقومات تاريخية و جغرافية و ثقافية و بشرية فدولة مثل الكويت ما المقومات التاريخية و الجغرافية التي تؤهلها لتكون أمة بحد ذاتها هل عشرة آلاف أو عشرين آلفا من الكيلومترات المربعة تشكل جغرافيا لأمة أو مجموعة من السكان العرب الذين عاشوا هنا أو هناك أصبحوا أمة منسلخة عن محيطها أم هي مشكلة الحكام الذين يزرعون هذه الخزعبلات في أذهان الشعب للاستمرار بالسلطة , حتى لو أخذنا دولا أكبر من الناحية السكانية و الجغرافية التي تطرح هذه الأفكار على مواطنيها مثل الجزائر ما هي مقومات الأمة لديها و هل هي مفصولة عن الواقع العربي , حُكمت الجزائر منذ بداية الفتح كإقليم من أقاليم المغرب العربي و لم تظهر كولاية ذات شأن إلا عند سقوط الأندلس حيث تركزت فيها قوة الممانعة ضد التغلغل الغربي و لكن هذا لا يجعل منها أمة مفصولة عن محيطها , فمجرد أن نشؤ الجزائر كولاية مهمة سببه خارجي وهو سقوط الأندلس يمحي بشكل نهائي نظرية الأمة الجزائرية .
فالأمة هي حاصل تراكمات لغوية و دينية و ثقافية مشتركة و تفاعلات سياسية و اجتماعية و اقتصادية متشابهة تمتد فترات زمنية طويلة على واقع جغرافي واسع , و هنا أتساءل أي دولة عربية تستطيع أن تقول أنها لم تكن جزءا من هذه التراكمات و التفاعلات بشكل أو بآخر , و أكثر ما يجب أن نوليه الاهتمام هو التفاعل الثقافي و اللغوي, فطيلة فترة تشكل الأمة الذي بدأ مع ظهور الإسلام حتى بدء الفترة الاستعمارية كان التفاعل الثقافي واحدا موحدا بشكل كامل , فكان أعلام الثقافة و اللغة و الأدب و العلوم المادية يتعاملون مع الواقع على أنه كيان واحد بالرغم أنه كان في المراحل المتأخرة مجزئ سياسيا , و التجزئة السياسة الحالية لا تعني بأي حال من الأحوال أننا لسنا أمة واحدة فبعض الأمم عانت من هذه التجربة , الإيطاليون و الألمان و مروا بهذا الواقع وهو التجزئة السياسية لم يعتبروا أنهم ليسوا أمة واحدة طالما أن الوعاء اللغوي و الثقافي و الجغرافي يحتضنهم جميعا .
أما تعزيز نظرة الانكفاء لدى سكان الأقطار العربية بطرح شعارات مثل الأردن أولا أو مصر أولا فله أهدافه
الأردن أولا , هذا الشعار المطروح بشدة في هذه الدولة التي كان سبب وجودها مجموعة من التناقضات لسنا بصدد مناقشتها , فكان لابد أن يسعى نظام الحكم أكثر من غيره لتأكيد الفكرة الإقليمية لدى المواطن العربي هناك ليستمر في السلطة وهو يعلم أن نظامه القائم على التناقضات و التوازنات لن يستمر إلا إذا قام بتزكية الروح الإقليمية لدى الشعب, و حتى الدول العربية الأكبر و الأهم لن تكون ذات أهمية و ذات ثقل في المجتمع الدولي وحدها , لا السعودية ولا سوريا ولا المغرب ولا أي دولة عربية يمكن أن تشكل كيانا له مكانته في الواقع الدولي, وأما مصر الدولة العربية الأكبر و التي نسمع فيها أحيانا مقولة مصر أولا , فلن تكون مصر لا أولا و ثانيا ولا حتى عاشرا و ستبقى جزءا من العالم المتخلف طالما بقيت مثل هذه الأفكار مطروحة , وحتى نكون " أولا " يجب أن نعمل معا لتأسيس جمهورية الاتحاد العربي فعندها نمتلك مجتمعين كل مقومات الأمة التاريخ و الجغرافيا و اللغة و الثقافة و القوى البشرية و الإمكانيات الاقتصادية .
تتشكل الأمة العربية من مجموعة أقطار تتفاوت في المساحة و الإمكانات الاقتصادية و تعداد السكان , ولا يجب أن يشكل هذا التفاوت عائقا أمام عملية الإدماج , وعلى الولايات الأصغر ألا تعتبر أنها ستذوب و تمحى و تلحق بالولايات الأكبر , إنما هي عملية اتحادية ستتم بشكل سلمي عبر صناديق الاقتراع , و ستراعي خصوصية كل ولاية , و أنا أعتقد أن بعض الولايات الصغيرة ستكون فاعلة و مؤثرة في الاتحاد مثل لبنان و قطر و تونس أكثر من بعض الولايات التي تكبرها بالمساحة و عدد السكان , أما بالنسبة للتفاوت الاقتصادي بين الولايات , فعملية الإدماج الاقتصادي يجب أن تراعي هذا الأمر ضمن خطة مدروسة تعمل على رفع السوية الاقتصادية في الولايات الفقيرة إلى أن يصبح مساويا لاقتصاديات الولايات الأغنى و هذا ما سأناقشه بشكل مفصل في الإصلاح الاقتصادي .
سأكتفي بما عرضته عليكم , مع العلم أن فصول هذه المدونة ستأتيكم حتى نهايتها , و الآن سأورد بعض الملاحظات و التعقيبات .
أتمنى أن تكون هذه المدونة بداية لتحرك حقيقي , وقد وضعت خطوط عريضة لرؤيا بحاجة لتطوير و جهد و أنا أدعو الجميع من كل تيارات المجتمع العربي الشباب الإسلاميين المثقفين المغتربين الليبراليين العلمانيين الاشتراكيين الأقليات الدينية و العرقية للمشاركة في الحوار التأسيسي الذي سينتج عنه مشروعا متكاملا شاركت في وضعه شرائح واسعة من المجتمع العربي وعلى هذه القاعدة البشرية سندخل في مرحلة التفاعل المباشر مع كل الأطراف الذين تعنيهم الأفكار المطروحة في هذا المشروع في داخل الوطن و خارجه و هذه المرحلة هي الأصعب و الأطول .
وهذه الأفكار مثل كل الأفكار و المبادئ عندما تطرح تجد من يؤيدها ومن يعارضها أقول لمن يرى في هذه الرؤيا طريق للخروج من المأزق العربي الراهن و يرغب بالمساهمة فيها أرجو أن يعمل بنشرها في كل مجال متاح عبر كل موقع ممكن على الإنترنت , عبر الحوار المباشر مع الناس الذين لا يتعاملون مع الإنترنت , عبر كل وسيلة إعلامية ممكنة .
أما الذين يختلفون معي و يعارضون ما أطرحه من أفكار بشكل كلي أو جزئي فأقول ليس العيب أن نختلف في الأفكار و الرؤى و لكن من المعيب أن لا يكون اختلافنا حضاريا و راقيا , فأرجو من هؤلاء أن يكونوا على مستوى المسؤولية و أن يكون الحوار الهادف و الهادئ هو الطريق للوصول إلى ما هو خير أمتنا و وطننا , بعيدا عن لغة التوتر و الاستفزاز .
أبو إياد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























